مبدأ زرعوا فأكلنا، ونزرع فيأكلون…..ليس كل من سار على الدرب وصل

بقلم :نيرة النعيمي

حاول استهلالنا للتقرير إثارة نقطة أن من درسوا تاريخ الدولة العثمانية أقرّوا أن قوة مؤسساتها بمقاييس عصرها كان أحد أهم أسباب ديمومتها وقوتها، وحاولنا نحن إلى حد الآن أن نظهر أن مقتل الدولة العثمانية كان في صميم أسباب قوتها. فما كان بالأمس سبب القوة، صار في نهاية الدولة، وبصورة تجلت في فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني على أشد ما يكون، سبب ضعف الدولة والطريق المُعَبَّد إلى نهايتها.

تاريخ الدولة العثمانية

جاء السلطان عبد الحميد إلى الحكم في وقت كان قد اتسع الرَّتقُ فيه على الراتق، وجاء ببرنامج عمل كان ليكون قبلة حقيقية لإحياء الدولة العثمانية لو أنه تقدم على وقته 150 عام على الأقل. يمكننا أن نزعم أن السلطان عبد الحميد الثاني في تجربته في الحكم قد أمدّ في عمر الدولة 33 عامًا وحال دون سقوطها برغم الظروف غير المؤاتية، بينما لم يستطع خصومه المحافظة على ما تركه لهم أكثر من 12 عامًا كان لهم فيها الحكم المطلق داخليًا.

إذ أن الرجل قد رأى فوعى مشاكل الدولة العثمانية في وقته، ومن ثم مشى في طريق إصلاحها، إلا أن ليس كل سائر في الطريق لا محالة سيصل. فذلك في المقام الأول يعتمد على حال السائر وقدرته واستعداده للسير، ويعتمد على الطريق ومشاقها وعوائقها في المقام الثاني، وعلى ظروف السفر الحادثة التي ليس للإنسان عليها سلطان في المقام الأخير.

السلطان عبد الحميد الثاني

بالرغم من أن السلطان عبد الحميد الثاني استطاع تحديد مشاكل دولته بدقة على الجبهة الداخلية، وبنفس المهارة حدد تلك الخارجية الأكثر إلحاحًا، ومن ثمّ وفّق باتخاذ الإجراءات الصحيحة لمعالجتها إلا أن التوفيق لم يحالفه في منع تفكك إمبراطورية جده عثمان الأول والسلاطين العظماء بعده. الدولة العثمانية وبالرغم من نزعها جزء كبير من خنجر الديون من خاصرتها الاقتصادية، إلا أنها لم تتوفر على الوقت المناسب لتدخل في مرحلة النمو الاقتصادي الذي يسمح لها بمراكمة الثروة، أو على الأقل البدء بتنشيط الاقتصاد ذاتيًّا بعد شبه الخروج من الديون الخارجية.

الاصلاحات التي قام بها

ولم تساعده قُبلة الإصلاحات الإدارية والتنظيمية التي أعطاها للنهوض بمستوى الجهاز الإداري للدولة وموظفيها، على بث الحياة في مؤسسات الدولة فتنهض ذاتيًا. لم تسعف الدولة العثمانية شبكة المواصلات من سكك الحديد التي وصلت حتى الحجاز وبغداد، وخطوط التلغراف التي وصلت حتى مدينة البصرة في الجنوب العراقي، والترامات الكهربائية التي زينت مدن الشام، وتحسين خدمة البريد بهدف ربط مقاطعات الدولة جغرافيًا، من رتق الشرخ في النسيج المجتمعي روحيًا وثقافيًا.

بل وجدت الدولة نفسها جثة عاجزة عن النهوض في وسط حقل تلتهمه نيران القومية، لا تنطفئ بؤرة انفصالية حتى تشتعل أخرى مكانها. لم تساعد الثورة الطبية والتعليمية التي أحدثتها الدولة ببناء المستشفيات والجامعات والمعاهد العلمية الطبية والمختبرات ودور الرعاية الصحية والمدارس، أن تمنع الإنسان من عدوى النزعات الوطنية والقومية، والتي تسببت في دخول الدولة في حالة انكماش جغرافي رهيب بخسارتها مقاطعاتها واحدة تلو الأخرى في وقت قصير، والدولة تراقب كل ذلك عاجزة.

لكن ربما إن كان هناك درسًا تعلّمه تجربة العثمانية في الحكم، فهو أن الحكّام عليهم أن يفكروا في تبعات سياساتهم على مستقبل شعوبهم وأوطانهم لمئة عام في المستقبل، وأن يحافظوا على ما ورثوه من الأجيال السابقة بتنميته وإدارته على مبدأ زرعوا فأكلنا، ونزرع فيأكلون.

بقلم :نيرة النعيمي

 

أضف تعليقك هنا