لقطٌ من نُخَبِ الفكرِ

بقلم: محمد أمين كحلي

السلام عليكم ورحمة الله.. بسم الله الرّحمان الرّحيم، الحمد لله القائل “وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى.. الآية” والصلاة والسلام على نبيّنا محمدٍ خاتم الانبياء والمرسلين الرّحمة المهداة وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا أما بعد:
فإنّه من دواعي الفخرِ والاعتزاز بالنسبة لي أن أشارك في مثل هاته المقال عنونتُه باسم (لقطٌ من نُخَبِ الفكرِ) عرضت فيه بعض الأفكار التي كنت قد اكتسبتها من مطالعتي لبعض المقالات في مجال علم الاجتماع أضفت إليها أقوالا لبعض العلماء نقلتها مع عزو لأصحابها حفظا للأمانة العلمية وتحاشيا للوقوع في المنهيِّ عنه من قوله صلّى اللهُ عليه وسلم {المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور} أتمنى أن يقدِّم لبنةً جديدةً للقارئ ويُثريَ حصيلته المعرفية.

مقدمة:

يلعب الجانب الفكري للشعوب دورا هاما و رئيسيا في معرفة مدى قوتها، فهو المحرك الرئيسي لعجلة التطور و النمو، والسّلّم الذي تقاس به درجة إستقرار الدّول. إنّ الحرب اليوم لم تعد كالبارحة فالسلاح تغير والعدو غير مرئي؛ إذ لم يعد يُعرف العدو من الصديق ولا القريب من البعيد إلّا لمن له ميزان وفرقان: ميزان يزن به الأمور ويعطي كلّ ذي حق حقه من غير إفراط ولا تفريط، وفرقان يفرق به بين الحقّ والباطل والحسن والسيّء والجميل والقبيح، وهاتان الميزتان (الميزان والفرقان) لا تجتمعان إلّا في ذوي العقول الرّاجحة وأصحاب النظرة الثاقبة من العلماء الجهابذة الألباب .الواجب على الأمّة اتباعهم لانّهم أظهروا الحق بدليله وأبطلوا كلّ باطل وبيّنوا سبب بطلانه وسعوا إلى حفظ أمن هذه الأمة واستقرارها من خلال تعليم أبنائها وإرشادهم إلى كلّ ما هو أقوم وأصح وإن عارض ذلك الشيء (التوجيه) تفكير أصحاب النظر المحدود من عوام الناس بحجة أن فيه من المفسدة شيء فإن حفظ المصلحة الكبرى اقتضى ذلك ولا حلّ إلّا بها. المسائل التي سيُتطرق إليها:

  1. ما هي أهم العوامل التي تؤثر في توجيه فكر أمة وتغييره.
  2. ما مدى إستجابة وتفاعل الأمم ضدّ ما يحاك لها حسب فكرها وتجربتها .
  3. دور الإعلام في قوة الأمم وفي توجيه فكرها .
    خاتمة_______________

العوامل التى تؤثر في توجيه فكر أمة وتغييره:

  • اعلم -أرشدك الله إلى طريق الحق- أن الإنسان يؤثر ويتأثر بما يحيط به من تغيرات وتحولات فهو ابن محيطه وتجربته وإذا تأملت في تصرفات شخص ودققت في تفاعلاته مع ما يحصل له عرفت شيئا من جانبه الفكري النابع من تقاليده وعقيدته وتجربته التي حصلت له ابتداء (أي في أول تجربة له) فمجمل هاته التغيرات الثلاث تعتبر كالمعالجات لهذا النظام ومن خلال المرور عليها تترجم المداخيل (المشاكل ) إلى سلوكيات وردود أفعال التي تعتبر كمخاريج لهذا النظام.
  • مخطط توضيحي:
  • تختلف نسبة تأثير المعالجات من شخص لآخر…

مدى استجابة وتفاعل الأمم ضدّ ما يحاك لها حسب فكرها وتجربتها:

هنا في هذا الباب يجب أولا أن نعلم شيئا مهمًا ألا وهو ماذا نقصد بضد ما يحاك لها فأقول : إن العالم اليوم في صراع على الزعامة والرئاسة بين الدول الكبرى (روسيا_أمريكا _الإتحاد الأوربي_ودول أخرى كالصين وغيرها ) وكلٌ من هاته الدول لها منهج وعقيدة خاصة بها تود أن تنشرها وتوسع نطاقها بطرق شتى على حساب الدول الضعيفة الأخرى (العالم الثالث) بإرغامها على المشاركة في هذا الصراع ،وذلك يكون تحت ظل واحدة من الدول الكبرى دفاعا عن منهج هاته الأخيرة ، فتتقاتل الدول الصغرى فيما بينها و تتفكك وتسفك دماء وتنتهك أعراض وتشتت دويلات وتخرب بيوت ،وهذا نتيجة للضعف الفكري لهاته الشعوب ومحدودية نظرتها وسرعة إنجرارها وانطواء الخدع عليها فهم نصّبوا أرواحهم خداما لمصالح الدول الكبرى .

أما بالنسبة لنوعية الاستجابة فنميز حسب النتيجة 3 أنواع:

  1. دول شعوبها متعلمةعرّفت أبناءها بطبيعة الصّراع وأنه عقدي واهتمت بجانب الوعي في نظامها التربوي فبنت أجيالا وأمما لها كلمة واحدة متمسكة بقادتها وولاة أمرها تقف ضد كل المؤامرات ولا تنساق وراء الأفكار الأجنبية عنها ٫ لا تخاف من الشتات و الاختلاف {لأن من كان على حق فلا يخاف}.
  2. شعوب جاهلة علّمت أبناءها التعصب لمذاهب الدّول التى تنطوي تحت ظلّها فخرّجت جيلا مهتر مشتت مندفع ومنساق بعصبيته لعقيدة غيره وجهله بما يقع إلى تحطيم أركان دولته وزعزعة إستقرارها وأصبح كل رويبضة يتكلم يؤثر في هذا الشعب {لأن الجاهل يفعل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه}، فيحكمون على الأمور بظاهرها وكل همهم إشباع بطونهم وفروجهم فهم كالبهائم عالة على دولتهم واداة لأسيادهم وهذا {لأن ما بني على باطل فهو باطل }.
  3. شعوب لا هي متعلمة ككل ولا جاهلة وهاته لأن من أبنائها من هو متعلم على الجادة عارف بحقائق الأمور ومنهم الجاهل فهاته الدّول كلما انساق جهالهم خلف شبه من يريد الفساد بهم وبدولتهم قام وانبرى إليهم علماءهم ومتعلموهم بدحض وتفنيد هاته الشبه وتبيين الحق وإصلاح بعض ما أفسد جهالهم فهؤلاء فسادهم جزئي لكن يخشى عليهم الهلاك وذلك إذا حورب علماءهم وكثر جهالهم.

إن أبرز مثال يبين صحة ذلك هو ماحدث من «المظاهرات بأنواعها وما يسمى بالربيع العربي (الحريق العربي)»:

  • فإن الشعوب المتعلمة لم تنجر وراءها وسلِمت من الفوضى والانفكاكات وبقيت متكتلة ثابتة كالنخلة لم تحركها ريحها.
  • وشعوب جاهلة إنفكت وتزلزلت أركانها وأصبحت في خوف بعد أن كانت في أمن وخراب ودمار بعد بناء وابتلوا بالذلة بعد العزة ويالها من مفسدة.
  • ودول قامت بها هاته المظاهرات لكنّها لم تتفكك ولم تنقسم وهذا كان إمّا بتجربتها السابقة أو بقيام بعض أفرادها من متعلميهم ضدّ ما أفسده جهالهم فهي حقيقة دول لم تخرب لكن يخشى عليها الهلاك في أي لحظة إلّا إذا عادت ورجعت إلى تعليم أبنائها الوعي ونبذ التعصب للعقائد الخارجة عنها ومحاربة الباطل والتسليم للحق.

دور الإعلام في توجيه فكر الأمم:

إنّ السّعي وراء تحقيق وجلب كلّ ما ينفع من الأمور الجِبِّلية عند كلّ شخص، سواء كان المطلوب أساسيا أو كماليّا ، لكنّ لاختلاف بينهم يكمن في تقدير نفعيته. فممّا أجمع واتّفق علية عقلاء الأمة أنّه كما للإنسان حاجة ماسّة للطعام والشراب تقويما لبدنه فإنّه بحاجة للمعلومة الصحيحة تقويما لفكره المقوّم لسلوكياته وتصرفاته -ولا يكون ذلك إلّا بالإنتقاء الحسن والإختيار الأمثل لمصدرها. فكيف يكون ذلك؟ وكيف يتعامل المرء مع كثرة وتنوع المصادر (انتقاء وتمحيصا)؟

كيف يتعامل المرء مع كثرة وتنوع المصادر؟

للمعلومة مصادر عديدة ومتعدّدة من أهمها: الكتب والمقالات المختلفة (المجلات والجرائد)،القنوات السمعية والسمعية البصرية، ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي.

-فأمّا بالنسبة للكتب؛ فقد استغنى أغلب النّاس عن مطالعتها إلّا قلة ممّن يزعمون أنّهم من الطبقة المثقفة إنكبُّوا على مطالعة الرّوايات والقصص الخيالية والكتب الخرافية التي لا طائل منها سوى أنّها تحمل في طيّاتها سموما غربية يدور رحاها ومرماها حول العلمانية و الفلسفة الميتافيزيقية قد نجح أصحابها في بثّها وسط مجتمعنا ، فأصبحنا نرى من ينكر علينا تمسكنا بمبادئنا ومقوّماتنا تحت مسمّى وشعار {الثقافة و التطور والتمدّن} أمّا الكتب النفيسة المليئة بالفوائد والدُّرر فقد عجز أكثر المتعلّمين عن مطالعتها وقلّ ما تجد من يسعى لجلبها وفي هذا قال الشّيخ البشير الإِبراهيمي رحمه الله: “وإن من نقائصِنا المتصلةِ بحالتِنا العلمية الحاضرة ثلاثًا لا كمالَ معها… هذه النقائصُ الثلاثُ هي: (ضعفُ الميل إلى التخصص، ضعف الميلِ إلى الابتكار، الكسَل عن المطالَعة)، وإذا كانت الأُولَيَانِ متعسرتينِ لفَقْدِ دواعيهما، فإن الثالثةَ أقربُ إلى الإمكان،  الحق أقول: إن شبابَنا المتعلِّم كسُولٌ عن المطالَعة، والمطالَعةُ نصف العلم أو ثُلثاه، فأوصيكم يا شباب الخيرِ بإدمان المطالَعة، والإكباب عليها، ولتكنْ مطالَعتُكم بانتظامٍ؛ حرصًا على الوقت أن يَضيعَ في غير طائلٍ”؛ (الآثار 1/154).

-أمّا المجلّات والجرائد والقنوات المختلفة (الإعلام بأنواعه المكتوب والسمعي والبصري)؛ فهي المصدر الأكثر رواجا وتأثيرا في وقتنا الحالي مع ما فيه من عيوب وأضرار يرجع غالبها إلى : غياب تحرّي المصداقية في نشر الأخبار وإبتغاء الشهرة بأيِّ مسار؛ غير أنّنا لا ننكر وجود بعض من يتوفر فيهم شرط النزاهة في تحري المصداقية ولهذا فأقول: إنّ ممّا يجب أن يعرفه كلُّ واحدٍ منّا ويتّخِذه كقاعدة في وزن كلّ خبر ما يلي:

  1. أخذ الخبر بدون تحليل : فمجمل الأخبار التي تُنقل في وسائل الإعلام تكون بتحاليلها لتسهيل توجيه فكر المتلقي (القارئ)
  2. معرفة الغاية والمقصد والمصلحة المرجوّة من نشر وإذاعة هذا الخبر .
  3. تحرّي وجود أي زيادة أونقصان بمقارنة مختلف المنشورات حوله و الإكتفاء بلبّه ( نقاط التشابه عند جميع المصادر) فذلك أحرى لأخذ الصحيح وإبعاد المكذوب.

وممّا يجدر التنبيه عليه في هذا الباب ما هو معروف ومنتشر من مصطلحات في الإعلام الموجه (البروباغندا والهولوغرام): فالبروباغاندا وهي كلمة تعني نشر المعلومات بطريقة موجهة أحادية المنظور وتوجيه مجموعة مركزة من الرسائل بهدف التأثير على آراء أو سلوك أكبر عدد من الأشخاص ___(01)، أما الهولوغرام فهي بروباغاندا حديثة يتم فيها إستعمال الصورة الثلاثية الأبعاد لتعزيز الكذبة ولإيهام المتلقي بصحة النقل وسلامته.

كلّ الأسلحة التى يستعملها الإعلاميون تصب في مصلحة الأجندات التي يعملون تحت لوائها، فكن على حذر أخي القارئ فأنت مستهدف، و عليك إعمال القواعد اللازمة لوزن الأخبار، والأسلم في هذا كما قال الشيخ محمد بن عمر بازمول حفظه الله في مقال له: (..لذلك؛ لا بد من أن يرتبط المسلم بالجهات الرسمية التابعة لولاة الأمر؛ لأنهم هم وهم فقط في خضم هذه الأمواج المتضاربة من المعلومات الذين يصدقون ويتحرون الصدق مع المواطن! وبالله التوفيق!).

-مواقع التواصل الاجتماعي: أمّا مواقع التفاصل الإجتماعي فحدّث ولا حرج لأنّها أصبحت مرتعا لكل نطيحة ومتردية وأغلب مستعمليها يتفنون في نقل الأخبار بدون تحرٍ فهي أرض خصبة لتسويق الشائعات، ومن أعجب ما رأيت فيها :أنّ صاحب شهادة عليا يروج لخبر مفاده أن غاية إدخال اللغة الإنجليزية كمادة في الطور الابتدائي هو الترويج للسياحة والسفور ونقلٌ لحضارة الغرب ببلادنا فاستغربت وقلت في نفسي متسائلا :من أعطاه هذا ومن أين أخذ هذا التحليل بهذا الشكل؟ أطّلع على نية الحكومة أم كان ممن حضر مجلس الاستشارة قبل إصدار المرسوم؟ بعدها علمت يقينا أنّه كان قد نقله نقل البهيمة العمياء من أحدى المواقع التى لا تُعرف هوية وغاية من يكتب خلفها.فنشر مثل هاته الترهات أليس هو طعن في قرارات من ولاه الله أمرنا ووسيلة للتشغيب ونشر الفوضى.

نعم فإن كل ما_يشاع_من_كذبة_فيها _يذاع. فهي عند الأغلب غير موثوقة ولا تعد مصدرا حساسا مقارنة بالصحف والقنوات وليست بأخطر لأن الذي يكتب فيها لا يمتلك المهارة في تشتيت وتدويخ العقول مثل الصحفي المتخصص في رأيي والله أعلم. (01)_تعريف مأخوذ من أحد مقالات الشيخ محمد بن عمر بازمول.

خاتمة:

وفي الأخير أقول لمن تسنّى لهُ الإطّلاعَ على مقالنا: هذا الذي عندنا ومن أتانا بخلافه أو أحبّ أن يرُدَّ علينا شيئا ممّا فيه فمرحبًا بكل نقدٍ شريطة أن لا يكون الاعتراضُ من أجل الانتهاض وكما قيلَ فإنّ الاعتراض من أجل الانتهاض من جملة الأمراض وما أحسن قول الشيخ محمد البشير الإِبراهيمي رحمه الله:”إذا لزِم النّقدُ، فلا يكونُ الباعثُ عليه الحقدُ، ولْيكن موجّهاً إلى الآراء بالتّمحيص، لا إلى الأشخاص بالتّنقيص.” آثاره رحمه اللّه 3-67.

كتبه:محمد أمين كحلي/ البلد: الجزائر

بقلم: محمد أمين كحلي

 

أضف تعليقك هنا